محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

122

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

منعه ، فاختر الترك على الأخذ » . فالواجب على العبد أن يترك التدبير والاختيار لمن بيده ذلك فلن يعدم منه خيرا . متى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء . سيأتي بيان هذا من كلام المؤلف رحمه اللّه في قوله : [ متى أعطاك أشهدك بره ومتى منعك أشهدك قهره ] إلى آخره . . الأكوان ظاهرها غرّة ، وباطنها عبرة ، فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها ، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها . الأكوان - هاهنا - : كلّ ما يمكن أن يكون للنفس فيه حظ من متاع الدنيا وزهرتها ، وهي رائقة الظاهر قبيحة الباطن ، كما قيل : على وجه ميّ مسحة من ملاحة * وتحت الثياب العار لو كان باديا فهي من حيث ظاهرها محبوبة حلوة خضرة ، وبالنظر إلى باطنها جيفة « 1 » قذرة ، فالنفس تنظر إلى زينتها الظاهرة فتغترّ بها ، فتهلك صاحبها ، والقلب ينظر إلى قبائحها الباطنية ، فيعتبر بها ، فيسلم من شرها . وقد روى في الكتب السالفة أن الحواريين « 2 » قالوا لعيسى عليه السلام : يا روح اللّه صف لنا أولياء اللّه تعالى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فقال عليه السلام : هم الذين بهم نطق الكتاب ، وبه نطقوا ، وبهم علم الكتاب ، وبه علموا ، وبهم قام الكتاب ، وبه قاموا ، نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، وعاينوا آجل الدنيا حين عاين الناس عاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ، وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم ، فصار ذكرهم فيها قوتا ، وفرحهم فيها حزنا ، ما عارضهم منها رفضوه ، وما أشرف لهم منها بغير الحق وضعوه ، خلقت الدنيا عندهم فلم يجددوها وخربت فيما بينهم فلم يعمروها ، وماتت في صدورهم فلم يحيوها بعد موتها ، [ هدموها ] ، وبنوا بها آخرتهم ، أحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة ، يحبون اللّه ويحبون ذكره ، ويستضيئون بنوره ، ويضيئون به ، لهم الخير العجيب ، وعندهم الخير العجيب » . وكان بعض الأولياء يقول : « ما سطع لي زينة من زخرف الدنيا إلا كشف له عن باطنه فظهر لي عزوف عنها » .

--> ( 1 ) الجيفة : جثة الميت إذا أنتنت ( ج ) جيف ( جج ) أجياف . ( 2 ) الحواريون : ( في القرآن الكريم ) : أنصار عيسى عليه السلام .